مضى على وفاتك ثلاثة أشهر ولا زالت غصّة خبر وفاتك في حلقي ، وحرارة الألم في صدري .. كنت أحبّ أجدادي إليّ وأقربهم إلى قلبي ..

IMG_4492

منذ نعومة أظفاري وبعد وفاة والدي رحمة الله كنت أنت أبي الثاني ، كنت من توصلنا للمدرسة وتأخذنا منها ، كنت من يذهب بنا للبقالة ويشتري لنا الحلوى كنت من تسعدنا ونتسابق على حضنك صغارًا ، ونشاركك شاي الضحى ..

ورث هذا الحب صغارنا الذين كنت دائمًا تتفقدهم ، وتأتي نهاية الأسبوع وقت اجتماعنا لرؤيتهم، وأحيانًا تأتي سيرًا على قدميك إن لم تجد سيارة تقلّك وتقول (ولهان عليهم) وتشتري قبلاتهم بحلوى البولو .. وإن لم تجدهم قلت (ماش البيت فاهي من دونهم)

هل أخبرتك يومًا كم أحبك ؟ وكم كانت إقبالتك مبهجة لي ؟ وإطلالتك علينا تعني الكثير ؟

هل أخبرتك أن لبسكوت الشاي طعمًا يحملني لتلك الأيام التي كنا نزاحمك فيها ؟

كان لزامًا عليّ أن أكتب عنك ، لأنك علمتني أشياء كثيرة ..

علمتني كيف يمكن أن نعيش بسلام م دون أن نجمع أعداء لنا ..

علمتني كيف أن نقدم الجميل للآخرين ونساعدهم من دون انتظار شي منهم ..

علمتني العطاء بزرعك للنخلات في بيتنا وتركت بعضًا منها في السور الخارجي ليتأكل منها كل كبد رطبة من إنسان وطير ..

علمتني الصبر والصبر والصبر ، كنت صابرًا حتى أننا لم نعلم بمرضك الا قبل وفاتك بيومين .. وكلما سألناك عن حالك قلت بصوتك المبحوح (الحمدلله بخير) ولازالت تردد في أذني

كنت صابرًا لدرجة أنك نسيت ألمك وخدمت جدتي..

علمتني كيف أن لا أكون عالة على أحد ، لم تطلب حاجة من أحد كنت (شايل نفسك) ولم

علمتني كيف يكون الزوج المخلص ، كنت تطبخ الغداء لجدتي ، تتلمس حاجاتها ، لا تتركها وحدها في المنزل وتقوم براعيتها حتى في تعبك ومرضك ..

رحمك الله يا جدي ..

IMG_4493

يبكيك كل شيء يا جدي، كل زاوية،
تبكيك الأريكة التي تتمد عليها ، تبكيك النخلات التي زرعتها بيديك وأكلنا من رطبها سنينًا طويلة،
تبكيك عصاك التي تتكيء عليها، شاي الضحى وبسكوت الشاي، وحلوى البولو..
رحمك الله يا جدي يا أبي الثاني، لم تؤذ أحدًا ولم تكن عالة على أحد.
أشهد أنه مات على خير، مات صابرًا محتسبًا مسلمًا أمره لله ..
أقبل على كريم رحمن رحيم ..
فيا رب هوّن عليه الوقوف بين يديك وأسكنه فردوسك الأعلى.. واجعل ما أصابه تكفيرًا وتمحيصًا ..
حزينة أنا يا جدي على فراقك ، لأني لن أرى وجهك الباسم مرة أخرى ، ولن أسمع ترحيبتك (حيّا الله الشباب) ، ولن يسأل أحد عن بناتي باهتمام بالغ كما كنت أنت تفعل أو يصفق لهم ..

قبّلت رأسك وكنت حينها باردًا كالثلج عيناك مغلقتان وروحك في السماء، وجهك يشع نورًا كأنك كنت ترى حلمًا سعيدًا ، كأنك ترى نهاية سعيدة بعد سنوات الصبر والاحتساب وحب الخير ..

يا رب أحسن إليه كما أحسن إلينا، ارحمه كما رحمنا ، بشره كما كان وجهه يحمل البشرى لنا ويسرنا ..